فخر الدين الرازي
30
تفسير الرازي
إغماضاً في حق تعظيمه وإعراضاً عن الاعتراف بعجزهم عن الإتيان بما يناسب عظمته ، ثم إنه تعالى بن أنه آتاهم ما يتعلق بقبول المحل من العمر الطويل وما يتعلق بالفاعل في المحل ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كفاعل الخير فيهم ومظهر السعادات . فقال تعالى : * ( أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير ) * . فإن المانع إما أن يكون فيهم حيث لم يتمكنوا من النظر فيما أنزل الله ، وإما أن يكون في مرشدهم حيث لم يتل عليهم ما يرشدهم . ثم قال تعالى : * ( فذوقوا فما للظالمين من نصير ) * وقوله : * ( فذوقوا ) * إشارة إلى الدوام وهو أمر إهانة ، فما للظالمين الذين وضعوا أعمالهم وأقوالهم في غير موضعها وأتوا بالمعذرة في غير وقتها من نصير في وقت الحاجة ينصرهم ، قال بعض الحكماء قوله : * ( فما للظالمين من نصير ) * وقوله : * ( وما للظالمين من أنصار ) * يحتمل أن يكون المراد من الظالم الجاهل جهلاً مركباً ، وهو الذي يعتقد الباطل حقاً في الدنيا * ( وما له من نصير ) * أي من علم ينفعه في الآخرة ، والذي يدل عليه هو أن الله تعالى سمي البرهان سلطاناً ، كما قال تعالى : * ( فأتوا بسلطان ) * والسلطان أقوى ناصر إذ هو القوة أو الولاية وكلاهما ينصر والحق التعميم ، لأن الله لا ينصره وليس غيره نصيراً فما لهم من نصير أصلاً ، ويمكن أن يقال إن الله تعالى قال في آل عمران * ( وما للظالمين من أنصار ) * وقال : * ( فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين ) * وقال ههنا : * ( فما للظالمين من نصر ) * أي هذا وقت كونهم واقعين في النار ، فقد أيس كل منهم من كثير ممن كانوا يتوقعون منهم النصرة ولم يبق إلا توقعهم من الله فقال : * ( ما لكم من نصير ) * أصلاً ، وهناك كان الأمر محكياً في الدنيا أو في أوائل الحشر ، فنفى ما كانوا يتوقعون منهم النصرة وهم آلهتهم . * ( إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) * . ثم قال تعالى : * ( إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور ) * . تقريراً لدوامهم في العذاب ، وذلك من حيث إن الله تعالى لما قال : * ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) * ولا يزاد عليها ، فلو قال قائل : الكافر ما كفر بالله إلا أياماً معدودة ، فكان ينبغي أن لا يعذب إلى مثل تلك الأيام ، فقال تعالى إن الله لا يخفي عليه غيب السماوات فلا يخفي عليه ما في الصدور ، وكان يعلم من الكافر أن في قلبه تمكن الكفر بحيث لو دام إلى الأبد لما أطاع الله ولا عبده . وفي قوله تعالى : * ( بذات الصدور ) * مسألة قد ذكرناها مرة ونعيدها أخرى ، وهي أن لقائل أن يقول الصدور هي ذات اعتقادات وظنون ، فكيف سمى الله الاعتقادات بذات الصدور ؟